مجمع البحوث الاسلامية

315

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

موهوم ، ووجه الفساد ظاهر ممّا تقدّم . قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا جملة مستأنفة بناء على أنّ الجملة الفعليّة المصدّرة بالماضي لو كانت حالا لوجب تصديرها ب « قد » ، يقال : جاءني زيد وقد ضرب عمرا ، ولا يلائم كونها حالا لما ما يفيده أوّل الكلام من المعنى ، فإنّ الحال قيد لزمان عامله وظرف لتحقّقه ، فلو كانت حالا لأفادت أن تخبطهم ، لقولهم : إنّما البيع مثل الرّبا ، إنّما هو في حال أحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا عليهم ، مع أنّ الأمر على خلافه فهم خابطون بعد تشريع هذه الحلّيّة والحرمة وقبل تشريعهما ، فالجملة ليست حاليّة وإنّما هي مستأنفة . وهذه المستأنفة غير متضمّنة للتّشريع الابتدائيّ ، على ما تقدّم أنّ الآيات ظاهرة في سبق أصل تشريع الحرمة ، بل بانية على ما تدلّ عليها آية آل عمران : 130 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، فالجملة ، أعني قوله : ( واحلّ اللّه ) إلخ ، لا تدلّ على إنشاء الحكم ، بل على الإخبار عن حكم سابق وتوطئة ، لتفرّع قوله بعدها : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ إلخ ، هذا ما ينساق إليه ظاهر الآية الشّريفة . وقد قيل : إنّ قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا مسوق لإبطال قولهم : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا والمعنى لو كان كما يقولون لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين ، مع أنّ اللّه أحلّ أحدهما وحرّم الآخر . وفيه : أنّه وإن كان استدلالا صحيحا في نفسه لكنّه لا ينطبق على لفظ الآية ، فإنّه معنى كون الجملة وَأَحَلَّ اللَّهُ إلخ ، حاليّة وليست بحال . وأضعف منه ما ذكره آخرون : أنّ معنى قوله : ( واحلّ اللّه ) إلخ ، إنّه ليست الزّيادة في وجه البيع نظير الزّيادة في وجه الرّبا ، لأنّي أحللت البيع وحرّمت الرّبا ، والأمر أمري ، والخلق خلقي ، أقضي فيهم بما أشاء ، واستعبدهم بما أريد ، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي . وفيه : أنّه أيضا مبنيّ على أخذ الجملة حاليّة لا مستأنفة ، على أنّه مبنيّ على إنكار ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد ارتباط السّببيّة والمسبّبيّة ، وبعبارة أخرى على نفي العلّيّة والمعلوليّة بين الأشياء ، وإسناد الجميع إلى اللّه سبحانه من غير واسطة . والضّرورة تبطله ، على أنّه خلاف ما هو دأب القرآن من تعليل أحكامه وشرائعه بمصالح خاصّة أو عامّة ، على أنّ قوله في ضمن هذه الآيات : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الآية البقرة : 278 ، وقوله : ( لا تظلمون ) الآية ، وقوله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا - إلى قوله - مِثْلُ الرِّبا تدلّ على نوع تعليل لإحلال البيع ، بكونه جاريا على سنّة الفطرة والخلقة ، ولتحريم الرّبا بكونه خارجا عن سنن الاستقامة في الحياة ، وكونه منافيا غير ملائم للإيمان باللّه تعالى ، وكونه ظلما . ( 2 : 415 ) يبايعون - يبايعونك إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ . . . الفتح : 10 عبادة بن الصّامت : إنّهم بايعوه على الموت . ( ابن الجوزيّ 7 : 427 )